ثقافة وأدب المنصة نيوز

الأمير المظفر

تأليف أميرة العربي

~~~~~~~~~~
وجه تحمل قسماته كل معالم الحياة من حب ودفء وشقاء وحزن دفين ، تجلس بين انقاض كانت في يوم ما مأوى لمن لم تعوضهم ألف حياة ، تقص ما يجعل من ضعفها قوة ، فتسقي بقصصها نبته لعل الله يجعل فيها الخلاص من الطغاه ، سألها الصبي الصغير ذو الاعوام القليله عن ما تتذكره من قصتها التي طالما كانت تحكيها فترد بحنو صوتها لتحمل كلماتها الأمل ؛ لِتُخرجه من ظلام ساد المكان إلى نور ينبع من قلبه وحرارة جسدها التي تحتوي جسده ..
—كل ما أتذكره يا بني أنني حينما استمعت لتلك القصه قد أخذت من روحي ما أخذت ، لم تجذبني الحروب ولا الدماء والخيانات وتلك الدروب التي ينشد لسماعها كل محبي قصص التاريخ ، فقط رأيت مالم يره أحد من قبل ، يعتدل ذلك الصبي في خفة بكل شغف ، ينصت لما تقصه جدته …
—زيديني جدتي فكلي آذان صاغية ..
تبتسم الجدة في هدوء وتهمس بكل حب ..
—فقط أغلق عينيك ، فأنت الأن ترى بلاد الأكراد وذلك الغلام الذي يحيا حياة الأمراء ، الأمير (محمود ابن ممدود ) ذلك الأمير الشغوف الذي إستُشهد والده وهو رضيع ..
يفتح عينيه لحظة ويتسائل ..
—أمات والده هو أيضا يا جدتي ؟!!
ترد ودموع عينيها تترقرق بمقلتيها ..
—نعم يا بني لقد مات كما مات الأهل والأحباب ، فقط إغمض عينيك وانصت ، بعد موت والد الأمير (محمود) تولى رعايته خاله السلطان (جلال الدين الخوارزمي) ، علمه الفروسية والمبارزه بالسيف وزرع فيه الشجاعة التي جعلته لا يخاف أحد إلا الله ولا حتى يهاب الموت ، في أحد الأيام دارت الدائرة وسقطت مملكة (جلال الدين) ، فأسرع الجميع للإختباء ؛ لكن (محمود) أسرع إلى سيفه كي يدافع عن ما بقى ، صوت السيوف وقرع الطبول وتجمع الناس ما بين مجروح وقتيل يرددون
—التتار قادمون ، انجو بأنفسكم
يد غادرة تحكم وثاقه ويجرونه كالعبيد وهو يقاوم بكل ما أوتي من قوة وشراسة ..
— أتركوني أيها الأوغاد فأنا قاتلكم وأنا من سيطهر تلك الأرض منكم ..
دخل أحد قادة التتار ضخم الجثة عريض المنكبين بخوذته المقَّرنَّة ليطلق اسماء على من سيبيعهم عبيد بالأسواق ؛ ثم أشار نحو (محمود) وهو يقول لهم :
-من اليوم سيكون إسمه (قطز ) ، ردد الإسم مرة أخرى وهو يصفع وجه (محمود) بيديه بعدما بصق عليه الأخير ، وقد أمر ببيعه في الحال ..
بيع الأمير لأحد أثرياء دمشق وهناك عامله الرجل كأحد ابنائه ، علمه اللغة العربيه والقرآن والحديث ، ثم مات ذلك الثري الكريم وبيع مرة اخرى إلى ثري أخر وفي منزله تعرف (قطز) على الحياة السياسية ، فقد كان في ساحة المنزل العديد من اللقاءات التي تتم بين الساسة ورجال الدين ومنهم العالم (العز بن عبد السلام) ……….
ينظر الحفيد إلى جدته فتغلق عينيه بهدوء وهي تأمره أن لا يفتح عيناه مبررة ذلك بأنها تريده أن يتخيل ، تتململ قليلا فهناك حجر ما تحت ذراعها ، تكمل حديثها قائلة ..
— تعلم (قطز) فنون القتال منذ الصغر فلم يكن الجهاد بعيدا عنه آن ذاك ، دخل الصليبيون دمشق وهنا بدأ الجهاد ، وحينما تخاذل سلطان الشام (الصالح إسماعيل) ، نهض الملك (الصالح نجم الدين أيوب) لنصرة المسلمين في كل مكان ، أعلن الجهاد وكان (قطز) من ضمن المدافعين عن بلاد الشام ، وكان قراره أن يظل محاربا وذهب لسيده في مجلسه وهو مليء بالحماس ..
—أيا سيدي ألا سمحت لي أن أطلب منك؟
رد السيد بهدوء…
—ماذا ؟
— أن تبيعني للملك (نجم الدين) ؛ كي أنضم لمماليكه فأدافع عن الإسلام في مصر والشام …….
وافق سيده على طلبه بكل ود وإحترام ، فهو لم يعامله كباقي المتواجدين ببيته ؛ فقد كان (قطز) كأحد أبنائه ومن أشجع الفرسان كما شهد له الجميع وتمنى له النصر ليكون حليفه بإستمرار ، وهنا بدأت حياته الفعليه ليستعيد ملكه الزائل وكرامه العروبة التي طالما حاول الغادرون أن ينزعونها بطعنات غائرة ، حارب ودافع وقاتل بكل ما أوتي من قوة ليحرر بلاد المسلمين وقد كان فهو القائد الهمام الذي إنقطع الزحف التتري على يديه في موقعه عين جالوت ، أخذ بالثأر وإنتصر لله فقط لله ، فلم يكن يترك صلاه أو صيام أو يلهيه شيء عن ذكر الله ……….
تعتدل الجدة بجذعها قليلا وبهدوء كي لا تزعج الصغير ، تزيل بعض قطرات من الدماء عن جبهتها ، وتحاول أن تزيل بعض الأتربه عن جبهة الصغير ، تضع يدها على ناصيته كي لا يرى ما يمر فوقهم في السماء ، صوت دوي انفجارات وقذائف تفزعهم لكنها تطمئنه ، تشعر بنبضات قلبه وتسارع انفاسه ، تهديء من روعه بسؤال …
—أتعلم لماذا سُمِيَّت بلادنا بدمشق ؟!!
يوميء برأسه ان لا ، فتجيب هي ومازالت تحتفظ برباط جأشها..
—إنه الدم يا بني ، فأول دماء سالت كانت هنا على الجبل القريب ،إنها المعركه الأزلية مابين الموت والحياة ، اكون أو لا اكون ، طمع وسُلطة وحب امتلاك لما ليس بحوزتنا ، هذا هو الإنسان على مر العصور ؛ حتى قتل الأخ أخيه ، وشهق الجبل الذي سالت عليه دماء أول جريمه قتل عرفها التاريخ ؛ فمن هول الصدمه على الحجر شقت جوف الجبل شق ، إنها بدايه البدايه ولم تكن نهايه الدم والدمار في سائر الأنحاء ، يبتلينا الله ليطهرنا ويجعل الظالم يتمادى في ظلمه حتى يأتي اليوم الذي نتذكره فيه كما نتذكر الظغاه وفرعون موسى من قبله ، فجميعهم هلكوا ….
يشعر الصغير بخفقان قلب جدته ، يشعر بقطرات الدماء تتساقط عليه من جبينها الطاهر الذي طالما كان ساجدا لله ، يسألها بلهفه ودموعه على خديه تسري ..
—أستتركيني كما تركني الاخرون ؟!!
—لا يا بني لن أتركك ، لأننا جميعا في معيه الله ، فلتذهب الأن حتى لا يراك أحد من الجبناء ، وسِر نحو الجبال ، فهناك قوافل لعل فيها الخلاص لك حتى يأتي النصر من الله ..
يهتف في حزن ..
—متى نصر الله ، متى يا جدتي ، فقد خذلنا الجميع ومات الجميع ، دماء وأشلاء ودموع ، هتاف ودعاء في كل مكان ، ويلات وشتات ونيران ..
تلفظها بكل ثقه ، وقد خارت القوى، وكانت الاخيرة..
—فقط تذكر (قطز) وتذكر ماذا كان وكيف أصبح ، كن أنت (مظفر) هذا الزمان كن (المظفر قطز) ، وستخرج من قلب الموت بأمان ، وتذكر يا بني قول الله تعالى ( ألا إن نصر الله قريب)
(ألا إن نصر الله قريب)
#ميرو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: