ثقافة وأدب المنصة نيوزمقالات

الحُرّية الشخصية فى الإسلام

كتبت جيهان إبراهيم

 نعيش اليوم فى زمانٍ مليئٌ بالفِتَن والمعاصى وألوانٍ شَتّى من الفجور والإنحرافات ، فهذه إمرأةٌ متبرّجة تضعُ أنواعَ الزينةِ والحُلّى فى الشوارع والطُرُقات ، وتلك إمرأةٌ كاسيةُ عارية تُفسدُ أخلاقَ الكبير والصغير ، وهذا شابٌ يتعاطى المخدّرات ويُتاجرُ فيها ، وذلك رجلٌ يشرب الخمور بالليل والنهار فى السِرّ والعَلَن ،

وتلك إمرأةٌ تُغنّى وهى عارية أمام الكاميرات ، وهذا يَفحَشُ فى القول والعَمَل ، وهنا أسألُ نفسى سؤالاً بسيطاً  ما هو الشئ الذى تسبّب فى إنتشار هذه الفواحش وتلك الإنحرافات الخطيرة التى أدّت إلى إنحلالٍ كبير فى أخلاقنا وسلوكياتنا بلا رابطٍ ولا ضابط ، مِمّا أدّى إلى ضَعْف أُمّتنا الإسلامية وجَعلَ شُعوبَها كغُثاء السَيْل على كَثرة عدد أفرادها؟

 والجواب الصائب لهذا السؤال : هو شئٌ واحد ألَا وهو عدم وجود الأمر بالمعروف والنَهى عن المُنكَر
قال عز وجل : ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ) ، وما رواه حُذيفةُ بنُ اليَمان عن النَّبىّ ﷺ أنّه قَالَ : ( والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ )

وإذا حَدّثت أحَدَهم وقُلتَ له : هذا حرام ولا يجوز لك فِعلُه قال لك : هذه حُريةٌ شخصية ولا دَخل لكَ بما أفْعَل ، والحقيقة ما نراه الآن فى شوارعِنا وبيوتِنا وأسواقِنا ليس بالحُريّة الشخصية كما يَزعم البعض ، إنما هى الذنوب والمعاصى والمُخالفات الشرعية ، أخى المسلم : حريتك الحقيقية دَاخلَ بيتِك تَفعلْ ما تشاء واللهُ تعالى رقيبٌ عليك ،

أنت حرٌّ فى ما تفعله من المُباحات وليس المحرمات ، ثم أخبرونى ما هى الحُريّة الشخصية فى أن تَخرُج المرأة وهى عارية يفتتنُ بها الناس وتَفسدُ أخلاقهُم بالنَظر إليها ، ثم أين الحُريّة فيمن يتعاطى المخدّرات وما يتبعُ ذلك من إيذاءٍ للعباد وضَياعٍ لحقوقهم فى الحياةِ الآمنة ، نركبُ السيارات فيقوم السائق بتشغيل الأغانى بصوتٍ عالٍ يُزعجُ الكبير والصغير فأين إحترامُ مَشاعرَ الآخرين

فهذا مريض لا يتحمّل الأصوات العالية ، وهذا شيخٌ كريم مُلتحِ لا يُريد سَمَاع هذه التفاهات المُحرّمة ، نَجد فى بعض البُلدان : هذا بيتٌ قد تُوفّى فيه أحدُهم ثم دُفنَ وأُقيم له العَزاء وفى نَفْس اليوم يقوم جارٌ له بإقامةِ حفلٍ للزفاف فهل هذا حرية أم مُنكر يجب تغييره؟

المُشكلة فى كل ما سبق أن الله تعالى إذا أنزل على الناسِ بَلاءً من غَلاءٍ للأسعار أو شِدّةٍ فى المُؤنة ، وإنتشار للأوبئة القاتلة ، ومَحقٍ للبَركة فى الأرزاق والأعمال والأخلاق وغيرِها الكثير ، عمَّ فيه العاصى والساكت عن المنكر الذى لا ينهى عنه ولا يأمرُ بالمعروف  الدليل الشرعى على ذلك  حَكى اللهُ لنا قِصة أصحاب السبت فى القرآن : وأورَدَها المفسرون فى كُتبهم أنّ أصحاب السبت كانوا من بنى إسرائيل قوم موسى عليه السلام بقرية على ساحل البحر الأحمر

وتُسمّى أيْلَة وكان الله عز وجل قد أبتلاهم بعدم صَيْد الحيتان يوم السبت فكانت الحيتان تخرج يوم السبت ظاهرةً على سَطح الماء فى كل مكان سمينة تلعب ، فإذا ذهب يوم السبت غَاصَت فلم يقدروا عليها ، فاعتدوا بأخذِها يوم السبت ،

بدأ بذلك واحد ربَط حوتاً بخَيط إلى وتد فى ساحل البحر ولم يُخرجْه حتى ذهب يوم السبت فشواه فأكله فوجد الناس رائحته فسألوه فأخبَرهم فتابعه جماعة من الناس حتى كَثُر ذلك فيهم ، وكانوا يحتالون على صيدها بحِيَل مختلفة فأنقسم اليهود فى ذلك إلى ثلاثة طوائف ، طائفةٌ أعتدت فى السبت ، وطائفةٌ لم تَعتدِ فى السبت ونَهت الذين أعتدوا فيه ، وطائفةٌ لم تَعتدِ ولكنها لم تَنْه الذين أعتدوا ، وقالت للذين نَهوهم : ( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فأجابهم الذين نَهوَا : ( قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أى : نحن ننهاهم حتى نعذر عند الله بأنّا نهيناهم عن المنكر ، ولعلهم يتوبون ويرجعون للصواب ويتقون عذاب الله وسُخطه ؛

فلمّا أقامَ المعتدون على عملهم ولم يلتفتوا لنُصح الناصحين وعَتوا عن أمر الله فأنجا اللهُ الطائفة التى نَهَت عن السوء فقط ، وأنزل عذابَه على الطائفة المُعتدية بأن مَسخَهم الله تعالى قِردِة وخنازير وظَلّوا على ذلك ثلاثة أيام ثم ماتوا جميعاً ، قال تعالى : « فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ » صدق الله العظيم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: