دنيا ودينمقالات

الصحابي الجليل عكرمه بن أبى جهل ” الجزء الخامس “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الخامس مع عكرمه بن أبى جهل، وقد توقفنا عند إسلام عكرمة وأخذ النبى صلى الله عليه وسلم يعدد عليه أمور الإسلام، حتى عد له كل خصال الإسلام، فقال عكرمة ما دعوت إلا إلى الحق،

وأمر حسن جميل، وهكذا فإن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ففي هذه اللحظات شعر عكرمة بن أبي جهل أن كل ما ذكره صلى الله عليه وسلم حق، وأن كل ما تحدث عنه قبل ذلك أيام مكة،

وبعد مكة كان صدقا، وكان حقا، وكان من كلام النبوة والوحي، وهنا قال عكرمة بن أبي جهل قد كنت والله فينا تدعو إلى ما دعوت إليه، وأنت أصدقنا حديثا، وأبرنا بِرا، ثم قال عكرمة فإني أشهد أن لا إله إلا الله،

وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وفي لحظة واحدة انتقل عكرمة من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان، إنها حسن المعاملة، والرفق بالناس، وهكذا امتلك الرسول صلى الله عليه وسلم قلبه في لحظات، وانظروا إلى جهده بعد ذلك مع المسلمين فى هذه اللحظات، قال عكرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلم يا رسول الله.

علمني خير شيء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ” تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله” فقال عكرمة ثم ماذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم “

وأن تقول أشهد الله وأشهد من حضر أنى مسلم ومهاجر ومجاهد” فقال عكرمة هذه الكلمات، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يعرف أن عكرمة ما زال حديث عهد بالإسلام، ويحاول قدر المستطاع أن يقربه إلى الدين،

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ” لا تسألنى اليوم شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيته لك” فلم يطلب عكرمة بن أبي جهل مالا أو سلطانا أو إمارة، وإنما طلب عكرمة المغفرة، فقال فإني أسألك

أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسير وضعت فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

” اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد فى هذا المسير إطفاء نورك، فاغفر له ما نال منى من عرض فى وجهى أو وأنا غائب عنه” فقال عكرمة رضيت يا رسول الله، ثم قال وهو صادق.

لا أدع نفقة كنت أنفقها فى صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالا كنت أقاتل في صد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله، ثم اجتهد فى القتال طوال حياته،

سواء في حروب الردة أو في فتوح الشام، حتى قتل شهيدا في اليرموك، وانظروا كيف بدل الله تعالى حياته كاملة بحسن استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم له، وبتأمينه إياه، وبغفرانه كل التاريخ الأسود

الذى كان له مع المسلمين لأنه سبحانه وتعالى هو القائل ” لأن يهدى الله بك رجلا واحدا، خير لك من أن يكون لك حمر النعم” فإن الهداية نعمة من الله تعالى يرزقها من شاء من عباده ولها أسباب من أخذ بها رزقه الله الهداية ووفقه إليها ومن أسباب الهداية،

هو التوحيد، فالتوحيد من أعظم أسباب الهداية فمن وحد الله هدى، فإن من عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته أحبه ورجاه وخافه واتقاه وعمل على عبادته وتعظيمه وخشيته وهذه هي الهداية، ومن هدى الله قلبه سجد سجدته بين يديه إلى يوم يلقاه لا ينفك ينتقل من طاعة إلى طاعة لما ذاق من حلاوة السجود.

بين يديه عز وجل وصدق من قال “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة” يعني القرب من الله وتذوق نعيم وحلاوة عبادته فالتوحيد أعظم أسباب الهداية، وأيضا الاعتصام بالله ودعاؤه ورجاؤه على الدوام، ولذلك دعانا الله إلى سؤاله

وحثنا على التضرع إليه أن يهدينا إلى الصراط المستقيم كما ندعو في الفاتحة، وهو كما قال علي ابن أبي طالب الصراط المستقيم القرآن، وقال ابن عباس رضى الله عنهما الصراط المستقيم هو الإسلام، وقال ابن الحنفية،

الصراط المستقيم هو دين الله الذي لا يقبل غيره أبدا، فحاجة العبد إلى سؤاله الهداية وطلبها من مولاه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والهواء، لذا لم يقل الله تعالى في الفاتحة اهدنا النصر المبين،

ولا اهدنا الرزق الكثير ولكن قال ربنا ” اهدنا الصراط المستقيم” لأن هذه الهداية فيها فلاح وصلاح الدنيا والآخرة فاللذة والسعادة كلها فى هداية الله لنا للإسلام والعمل بطاعته وفى طاعته فمن كان من أهل الهدى كان سعيدا قبل الموت وبعده.

ولهذا كان سؤال الهداية أعظم الأدعية، وهذا رجل من أعظم شهداء المسلمين، رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وهو فضالة بن عمير، وكان فضالة بن عمير من أشد أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم،

وهذا الرجل من شدة عدائه للرسول صلى الله عليه وسلم، قرر أن يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، في وقت الفتح، والرسول صلى الله عليه وسلم، في وسط هذا الجيش الكبير وهوعشرة آلاف من الصحابة رضوان الله عليهم، وإذا قتل فضالة بن عمير الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه مقتول،

ومع ذلك ضحَّى بنفسه ليقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، فمر بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يطوف بالبيت، فلما دنا من الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يحمل السيف تحت ملابسه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ” فضالة”

قال نعم، فضالة يا رسول الله، وكان يدَّعى الإسلام في ذلك الوقت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ماذا كنت تحدث به نفسك” قال لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقال ” استغفر الله ” ثم وضع يده على صدر فضالة فسكن قلبه، فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه صلى الله عليه وسلم، وأسلم فضالة

، بل حسن إسلامه من أول لحظة من لحظات إسلامه، ولا نقول من أول يوم، ولكن من أول لحظة، حتى إنه عاد من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى أهله، فمرَّ بامرأة كان يتحدث إليها في الجاهلية، فقالت له المرأة هلمَّ إلى الحديث

، فقال لا، يأبى عليك الله والإسلام، ولقد تغير تغيرا كاملا بعد هذا الإسلام، وهكذا الإسلام يصنع الرجال والنساء على نهجه بصورة تكاد تكون مختلفة تمام الاختلاف عن حياته قبل الإسلام، وهكذا ظهرت ملامح بطولته وسماته القيادية

في حروب الردة، فقد استعمله أبو بكر على جيش وسيره إلى أهل عمان وكانوا ارتدوا فظهر عليهم ثم وجهه أبو بكر الصديق أيضا إلى اليمن، فلما فرغ من قتال أهل الردة سار إلى الشام مجاهدا أيام أبي بكر مع جيوش المسلمين، فلما عسكروا بالجرف على ميلين من المدينة، خرج أبو بكر يطوف.

في معسكرهم، فبصر بخباء عظيم حوله ثمانية أفراس ورماح وعدة ظاهرة، فانتهى إليه فإذا بخباء عكرمة، فسلم عليه أبو بكر وجزاه خيرا، وعرض عليه المعونة، فقال “لا حاجة لي فيها، معي ألفا دينار” فدعا له بخير، فسار إلى الشام واستشهد

وكان من أهم ملامح شخصية عكرمة بن أبى جهل، هو الحب العميق للقرآن فكان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف، فيضعه على وجهه ويقول “كلام ربي، كلام ربي” وأيضا الإيثار في أشد المواقف فروى حبيب بن أبي ثابت أن الحارث

بن هشام وعكرمة بن أبى جهل وعياش بن أبي ربيعة جرحوا يوم اليرموك، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة، فقال الحارث ادفعوه إلى عكرمة فلما أخذه عكرمة نظر إليه عياش

فقال عكرمة ادفعوه إلى عياش فما وصل إلى عياش ولا إلى أحد منهم حتى ماتوا جميعا وما ذاقوه، وتوفى عكرمه بن أبى جهل فى معركة اليرموك، فوُجد به بضع وسبعون ما بين طعنة وضربة ورمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: