ثقافة وأدب المنصة نيوزدنيا ودينمقالات

رمضان شهر الجهاد والصبر ” الجزء العاشر”

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء العاشر مع رمضان شهر الجهاد والصبر، وقد توقفنا عند الإنتصار فى رمضان على الكسل والسلبية واللامبالاة، فالصيام ينمى روح الإيجابية والفعالية والشعور بالمسؤولية، فيتعلم فيه الفرد فن الانتصار على السلبية واللا مبالاة وتبلد الشعور بالتبعة والتفريط في القيام بالواجب، ويحدث ببركات الصيام وفضله وأجوائه، نقلات نوعية فى الانتقال بنفسه إلى مراتب العاملين العابدين المتحركين النشطين،

فيستشعر طعم الإيجابية ويتعود ويتدرب عليها، فيصاحبه ذلك حتى بعد رمضان، أكثر من الأستعادة من العجز والكسل، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أسمعه كثيرا يقول “اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل” وكان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو بدعاء مرة في الصباح ومرة في المساء، وهذا الدعاء من أذكار الصباح والمساء، ومشروع لنا جميعا أن نقوله في اليوم والليلة مرتين، وهذا الدعاء هو الاستعاذة بالله عز وجل من العجز والكسل.

وهو داخل في الحديث الذى ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه إذا أصبح وإذا أمسى قال “أصبحنا وأصبح الملك لله” إلى آخره، وفي المساء يقول “أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله ولا إله إلا الله” إلى آخر الحديث، وفيه “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل” وإن العجز والكسل، هذان المرضان إذا أصيب بهما الشباب خاصة كبِّر عليهم أربعا لوفاتهم، الشاب إذا أصيب بمثل هذه الأمراض فإنه ينتهي، الحياة لا تقوم إلا بنشاط، لا تقوم إلا بجد، لا تقوم إلا بعزيمة، إذا أصيب الإنسان بهذه الأمراض من العجز والكسل، فإن الكسل مرض، واستعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم وضده النشاط،

والعجز يحتاج إلى مقاومة بالعزيمة والإرادة والاستعانة قبل وبعد بالله تبارك وتعالى، وإن الكسل له علامات، وأعظم مصيبة أن يصاب الإنسان بهذا المرض وهو لا يدرى، كثير من الناس مصابون بهذا المرض وهم لا يعلمون، فالكسل أخطر أنواعه هو الكسل الروحى، وهذا يصيب طائفة كبيرة جدا من المسلمين شبابا ورجالا وشيبا وأطفالا.

وأيضا التكاسل عن الأمور الشرعية، فالتكاسل عن العبادات خصوصا العبادة اليومية مثل الصلاة، فالصلاة لها خصوصيات، فالحج في السنة مرة، والصوم الواجب هو صوم رمضان، والزكاة إذا حال الحول وبلغت الأموال النصاب، أما الصلاة فكل يوم خمسين مرة خففها الله عز وجل إلى خمس، فلا مجال لمقارنة الصلاة بغيرها، فإذا أردت أن تقيِّم أحدا فابدأ بالصلاة، فإذا تقدم إنسان ليتزوج، أول ما تسأل عنه هل يصلي أم لا يصلي؟ وإذا كان يصلى فهل يصلي في المسجد أم لا؟ سؤال كل الناس يسألونه، حتى إن بعض الآباء لا يصلون في المسجد، لكن إذا تقدم لابنته رجل يصلي في المسجد اطمأن قلبه أكثر، وهو بنفسه لا يصلي في المسجد لأنه يعلم في قرارة نفسه أن الاتصال بالله عز وجل ضمانة، إذن من أخطر الأنواع أن تتكاسل هذه الروح ويتبعها الجسد عن القيام بالعبادات الشرعية، ومن الناس من إذا قام إلى الصلاة يقوم بتكاسل، بعض الشباب يقوم مجاملة لوالديه، وبعض الناس مجاملة لزملائه في العمل.

وبعض الناس يكون معه أحد فقوم ليصلى، وهذا التثاقل وهذا التأخر فى الأداء دليل على وجود هذا المرض الخطير، فبادر بعلاج هذا المرض، والله إن لقيت الله به ربما لا تنجو، ولكنك إذا كنت حريصا على العلاج فإن الله عز وجل سيعينك، فإن بعض الناس الآن يقتصر فى الصلاة مثلا على ما يدفع به عن نفسه المؤاخذة والعقاب، فيفرط في أداء السنن والنوافل، ودائما متأخر يدرك ركعة، ومرة تفوته الصلاة، وواضح أن هذه النوعية وإن كان فيها خير وتذهب إلى الصلاة لكن عندها كسل، والكسل درجات، كسل يقعد صاحبه بالكلية، وكسل يضعف صاحبه، وكسل يقصره عن بلوغ المنزلة العالية التي تنبغي لمثل هذا الإنسان، وتأمل لوصف الله عز وجل للمنافقين، يقول الله تعالى فى سورة النساء ” إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا” فهم يهمهم الناس، فما تفكروا في رؤية الله عز وجل لهم، فإذا أردت أن تختبر نفسك فانظر لحالك إذا جاء وقت الصلاة وأنت مشغول.

مشغول ببيع وشراء، عقد صفقة، شراء أسهم، بيع أسهم، وربما هذا الأمر يضرك في دينك ودنياك وأنت لا تدري، يصرفه الله عنك لو كنت تصلى ولكنك جاهل فيقول تعالى ” والله يعلم وأنتم لا تعلمون” وإن من أنواع الكسل هو الكسل الفكرى، وهو أن تجد إنسانا مؤهلا لأن يتعلم، مؤهلا لأن يعرف ويطلع، فيه ذكاء،

فيه سرعة بديهة، يتمتع بمواهب لا حصر لها، وطاقات هائلة، لكنه يقبرها ولا يستفيد منها، يميل إلى الراحة وقلة الحركة، طاقات مدفونة، مواهب منسية، والسبب هو الكسل وضعف الهمة، وكم من الشباب من إذا رأيته تلمس فيه حدة الذكاء، وتلمس فيه مواهب، ثم إذا رأيت حاله رثيت لحاله، تجده مع الأسف في طريق يسلكه لا ينجح فيه، والسبب هو ضعف الهمة والكسل، وإن من أنواع الكسل هو الكسل الجسدى، وهو مرض يهدد العالم بأسره، وخصوصا مع المدنية المعاصرة وآفاتها، فكم فات بعض الناس من المصالح الدنيوية والخيرات المتعددة بسبب الكسل، وبعض الناس والله ربما يموت من الجوع بسبب الكسل.

والكسل هو حرمان، كثيرون من الذين صاروا فقراء كان بإمكانهم ولا يزالون ألا يكونوا فقراء، لكنهم استمرؤوا الحال التى هم عليها، فصار الناس يعطونهم من الزكوات والصدقات وبقوا على حالهم، ولو أرادوا خاصة الشباب القادرين، لو أرادوا والله لاستطاعوا أن يكونوا أغنياء، لكن هذا المرض يخيم على رؤوسهم، فإن الكسل هو حرمان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، وحرمان من الأجر، وحرمان من الثواب، وحرمان من رضا الله عز وجل، وحرمان من بر الوالدين، وبعض الناس يعرف بر والديه، ووالداه موجودان ولا يبرهما إلا بشيء يسير، والسبب الكسل، وضعف الهمة، ويطلب منه والده ووالدته أشياء هو قادر عليها ولكن يقعده الشيطان بالكسل، فيحرم نفسه هذا الحرمان العظيم، فالكسل حرمان من العلم، والعلم والله له لذة خصوصا علم الكتاب والسنة، وحرمان من المعرفة، وحرمان من الثقافة، وحرمان من المال، وحرمان من السعادة، بل أعظم من ذلك أن يحرم الكسول من الراحة التي تعقب العمل.

فإن الراحة لا طعم لها إذا كان الإنسان لا يعمل، إنه كسول فمم يرتاح؟ مثل الذى يستيقظ من النوم ويقول أريد أن أرتاح من النوم بعد النوم قليلا، فأنت نائم، فهل ترتاح بعد النوم؟ فإن الراحة لا طعم لها إلا إذا ذاق الإنسان طعم الجد وطعم النشاط وطعم النصر وطعم التعب، ثم تأتى الراحة فيكون لها طعم خاص ومذاق فريد، فالشقاء لابد منه للكسول ولو نفسيا، فالكسول يظن أنه يفر من الشقاء ووالله إنه واقع فيه، ومن كانت حياته كلها خمولا وكسلا تساوت عنده الأيام، فلن يشعر بطعم الانتصار ولا السعادة ولا الفوز ولا النجاح، فإن الكسل تجميد للطاقات الإنسانية، وإفساد للحياة الاجتماعية، وشلل للحركة الاقتصادية، ونهايته على مستوى الأفراد ومستوى الأمم للأسف الشديد فقر وفشل عام في الحياة، ولو بحثت عن أسباب الكسل في المسلمين خاصة، ستجد أنه البعد عن شرع الله، لماذا؟ لأن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها نشاط، لا وجود للكسل فيها إطلاقا، فانظر إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت أعجوبة مليئة بالحيوية والنشاط في كل المجالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: