ثقافة وأدب المنصة نيوزدنيا ودينمقالات

نبذه عن مشروعية الصيام ” الجزء الثالث “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع مشروعية الصيام، وقد توقفنا عند إطعام الطعام والإنفاق فى سبيل الله، وقد قيل أن رجل أصيب بمرض في قلبه، وانطلق هنا وهنالك عند الأطباء ليبحث عن دواء وعلاج، وأخيرا قرر السفر إلى الخارج، وأجريت له الفحوصات، وبذل له الأطباء العلاج، وقرروا له جراحة عاجلة، فقرر هذا الرجل الطيب المسلم أن يعود مرة أخرى إلى بلده ليلتقى بأهله وأحبابه، وكان يقول ظننت أن هذه الجراحة سينتهى بها الأجل، فأحببت أن أرى الأهل والأحباب قبل أن ألقى الله عز وجل، فعاد إلى بلده وقبل السفر إلى الخارج مرة أخرى بأيام كان يجلس مع صديق له في مكتبه الخاص إلى جوار رجل يبيع اللحم، وفجأة لفت نظره وشد أنتباهه مشهد مؤلم يحطم القلب، رأى أمرأة كبيرة في السن تلتقط العظم واللحم النيئ الذى يلقى على الأرض من جوار هذا الرجل الذي يبيع اللحم، فنظر إليها، وتأثر بها ونادى عليها وقال ما تصنعين يا أماه؟ قالت والله يا بنى إن أولادى ما ذاقوا طعم اللحم منذ ستة أشهر.

فأردت أن أجمع لهم بعض العظام مع بعض اللحم النيئ، فتأثر الرجل، ورقت عينه، وخشع قلبه، وأنطلق إلى هذا الجزار وقال هذه المرأة إن أتتك في أى وقت فأعطها ما تشاء من اللحم، وأخرج له على الفور مالا يعادل قيمة اللحم الذى ستأخذه فى سنة كاملة، فبكت المرأة وتأثرت، وعادت إلى البيت فى غاية السعادة والسرور بقطع اللحم الذى ستسعد بها أولادها وأبناءها، وعاد الرجل إلى بيته سعيدا فرحا، وهو صاحب القلب المريض الذى لا يقوى على الحركة، ولكنه حس بالنشاط والحيوية، وحس بالسعادة والانشراح، ولما دخل البيت قابلته ابنته فقالت يا أبت ما شاء الله أراك نشيطا سعيدا، فقص عليها ما قد كان، فبكت البنت وقالت أسأل الله أن يسعدك بشفاء مرضك كما أسعدت هذه الفقيرة وأبناءها، واستجاب الملك دعاء الفقيرة ودعاء الفتاة، والتفت الجميع إلى خفته وحيويته ونشاطه فتعجبوا، وقال أشعر ولله الحمد بأن الله قد عافانى، ولا أشعر بأى عرض من الأعراض التى كنت أشعر بها قبل ذلك، فصمم الجميع على سفره إلى الخارج.

وهنالك لما نام بين يدى طبيبه ليجرى له الفحوصات مرة أخرى فزع الطبيب وأندهش، وقال له عند أى الأطباء فى مصر قد تعالجت؟ فقال تاجرت مع الله فشفانى الله عز وجل فالصدقة تطفئ الخطيئة، وتطفئ غضب الرب عز وجل فلا تحتقر أمر الصدقة، والله الذى لا إله غيره إن الله سيدفع بالصدقة عنك من الأذى والمصائب والبلاء ما لو عرفته لأنفقت لله في الليل والنهار، فضع ضمن برنامج رمضان الصدقة، فتصدق، وأخرج زكاة مالك لأن الله عز وجل يقول ” لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” والمال ظل زائل، وعارية مسترجعة، كما قال الشاعر النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبينها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوى الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها كم من مدائن في الآفاق قد بنيت أمست خرابا وأفنى الموت أهليها أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها.

لا تركنن إلى الدنيا وما فيها فالموت لا شك يفنينا ويفنيها وأعمل لدار غدا رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن مصفى من عسل والخمر يجرى رحيقا في مجاريها والطير تجرى على الأغصان عاكفة تسبح الله جهرا فى مغانيها من يشترى الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها، وقال الشاعر النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها وقال آخر هى القناعة فالزمها تكن ملكا لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن فأنفق وتصدق على الفقراء والمساكين فإن رمضان شهر الإنفاق والجود والإحسان، فإن من نِعم الله العظيمة وآلائه الجسيمة أن يُفسح للمرء في أجله، ويمكنه من أن يستزيد من صالح عمله، ويتوب إليه ويستغفره من تقصيره من سيئ عمله، وتكمل هذه المنة إذ جعله يدرك شهر رمضان.

ذلكم الشهر العظيم والموسم الكريم الذى اختاره الله سبحانه وربك يخلق ما يشاء ويختار ليكون ظرفا لأداء عبادة الصيام، والاجتماع على القيام، فضلا على عباده وإحسانا منه إليهم، فإن لهذا الشهر خصائص تدل على شرفه وعظم شأنه عند الله تبارك وتعالى، وإن أول تلك الخصائص لهذا الشهر الكريم والموسم العظيم، أن الله تبارك وتعالى جعله زمنا لأداء فريضة الصيام، الذى هو أحد أركان الإسلام، واختص الله الصوم لنفسه من بين سائر الأعمال مما يدل على عظم شأنه ورفعة منزلته عند الله تبارك وتعالى، وهو سبحانه وتعالى العليم الحكيم، الذى يضع الأمور فى مواضعها اللائقة بها، بحيث لا يصلح غيرها مكانها، فلما اختار الله عز وجل شهر رمضان زمنا لأداء فريضة الصوم، دل ذلك على شرفه وعِظم شأنه، وإن من خصائص هذا الشهر الكريم والموسم العظيم أن الله عز وجل اختاره لنزول القرآن في ليلة القدر، فقد نزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل مفرّقا بحسب الحوادث والمناسبات.

فذلك دليل على فضل رمضان وعُلو منزلته عند الله تبارك وتعالى، وعِظم شأن العمل الصالح فيه، ومن جليل خصائص هذا الموسم المبارك الذى لا يُحرم من خيره إلا هالك، أنه يتحقق فيه أمور عظيمة، تنشط المؤمن على طاعة الله، وتجعله يحجم عن معصيته، ويرجو رحمة ربه فيه، فعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال “إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين” فذلك كله يدل على ما لرمضان من مزيد الخصوصية، وما يتهيأ فيه من الإعانة على الخير، وتيسير ترك الشر، والاجتهاد في أنواع العمل الصالح، والتوبة من القبائح، إلى غير ذلك من أسباب رفعة الدرجة، وعلو المقام عند الله عز وجل، ومن خصائص هذا الشهر المعلومة لهذه الأمة المرحومة، أنه شهر يستجاب فيه الدعاء، ويكثر فيه الذكر الذى يرفع مقام العبد عند ربه عز وجل، فيذكره سبحانه مثنيا عليه في الملأ الأعلى، ولذا جاء قول الحق سبحانه وتعالى فى سورة البقرة” وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون”

وفى ثنايا ذكر آيات أحكام الصيام هدايةً للعباد، وتنبيها لهم على الصلة الوثيقة بين الصيام والدعاء، وأن ليل رمضان ونهاره كله مظنة لإجابة الدعاء، وفي ذلك من الحض عليه ما لا يخفى، وخصوصا وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الدالة على أن دعوة الصائم لا ترد كما في الحديث الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال “ثلاثة لا ترد دعوتهم، منهم والصائم حين يُفطر” وقال صلى الله عليه وسلم ” فاستكثِروا فيه، يعنى رمضان، من أربع خصال، خصلتان ترضون بها ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما، فأما اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار” ومن خصائص هذا الشهر أن فيه ليلة القدر الموصوفة بأنها ليلة مباركة، وأنها خير من ألف شهر، وأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، وأنها تتنزل الملائكة، وأنها سلام حتى مطلع الفجر، وغير ذلك من أوصافها العظيمة الدالة على عظم شأنها، وكثرة ما فيها من الخير والبركة لأهل الإيمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: