ثقافة وأدب المنصة نيوزدنيا ودينمقالات

نظرة تأمل مع رمضان شهر الجهاد والصبر ” الجزء الثالث “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع رمضان شهر الجهاد والصبر، وقال صلى الله عليه وسلم “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” وإن تحقيق هذا النوع من الإنتصار هو الأساس الذى تنبنى عليه كل الإنتصارات الأخرى، فإن تربى العبد على الأستحضار الدائم لعامل المراقبة هذا، وذلك بعدم جعل الله أهون الناظرين إليه، وتجنب ما لا يرضيه من فعل أو قول أو خلق أو سلوك سرا أو علانية، فيكن بذلك قد تجاوز عتبة الإنتصار الأول والمهم في مدرسة الصيام ليصحبه صحبة دائمة لازمة طيلة العام

 

وإن من الإنتصار فى هذا الشهر هو الإنتصار على الشيطان، ذلك أن وسيلة الشيطان لإغواء بني آدم هى الشهوات، وتقوى هذه الشهوات بالأكل والشرب، والصيام يضيق مجارى الدم، فتضيق مجارى الشيطان، فتسكن وساوسه ويُقهر بذلك، فعن السيدة صفية بنت حيي رضى الله عنها، قالت قال النبى صلى الله عليه وسلم “إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم” وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب.

وإذا أكل أو شرب اتسعت مجارى الشياطين الذي هو الدم، وإذا صام ضاقت مجارى الشياطين، فتنبعث القلوب إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات، وقد هيأ الله سبحانه وتعالى ذلك للصائم، فصفده له ليسهل له وعليه هذا النوع من الانتصار، ولكى يقوى عناصر المناعة الإيمانية لديه، ويستحضر كل مسببات القوة اللازمة لينتصر في معركته مع شيطانه بشكل دائم أو غالب على الأقل،

ورمضان فرصة مواتية لتكبت شيطانك وتغلبه وتصرعه بسهولة ويسر، لأنك إن فشلت في معركتك معه فى شهر الصيام، فأنت فيما سواه من الشهور أفشل، تصور نفسك في حلبة تصارع خصما مكبل اليدين والرجلين وأنت حر طليق فى كامل قوتك ولياقتك وعافيتك ونشاطك، فمن العيب والقصور والحرمان أن لا تنتصر عند ذلك، فاعمل جاهدا واستغل الفرصة لتذوق طعم الانتصار على الشيطان، كى يغريك ذلك في الاستمرار في صرعه فيما سوى ذلك من الأوقات، وعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

” إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين” وقال ابن رجب في شهر رمضان يلطف الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيغل فيه الشياطين ومردة الجن حتى لا يقدروا على ما كانوا يقدرون عليه في غيره من تسويل الذنوب ولهذا تقل المعاصي فى شهر رمضان فى الأمة، وقال أيضا فى هذا الشهر يؤخذ من إبليس بالثأر، وتستخلص العصاة من أسره فما يبقى لهم عنده آثار، كانوا فراخه قد غذاهم بالشهوات فى أوكاره فهجروا اليوم تلك الأوكار، نقضوا معاقل حصونه بمعاول التوبة والاستغفار، خرجوا من سجنه إلى حصن التقوى والإيمان فأمنوا من عذاب النار، قصموا ظهره بكلمة التوحيد فهو يشكو ألم الانكسار، في كل موسم من مواسم الفضل يحزن ففي هذا الشهر يدعو بالويل لما يرى تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار، غلب حزب الرحمن حزب الشياطين فما بقي له سلطان إلا على الكفار، عزل سلطان الهوى وصارت الدولة لسلطان التقوى فقال ” فاعتبروا يا أولى الأبصار”

وإن شهر رمضان تمرين عملى للصائم على التغلب على شهواته المختلفة من شهوة البطن والفرج والنظر والسمع والكلام والقلب والنفس وغيرها، بحيث يتحرر من أسرها له، ويتعالى على جواذبها التي تجذبه إلى مستنقعها الآسن، ويخلص نفسه من كل دواعي الاستجابة لإغراءاتها، فقال ابن القيم الصوم عبادة تكف النفس عن شهواتها وتخرجها عن شبه البهائم إِلى شبه الملائكة المقربين فَإِن النفس إِذا خليت ودواعى شهواتها التحقت بعالم البهائم فَإِذا كفت شهواتها لله ضيقت مجارى الشيطان وصارت قريبة من الله بترك عادتها وشهواتها محبة له وإيثارا لمرضاته وتقربا إِليه، وعن أبى هريرة رضي الله عنه، أن النبى صلى الله عليه وسلم، قال “يقول الله عز وجل يدع شهوته وطعامه من أجلى” فيدع الصائم أحب االأشياء إِليه وأعظمها لصوقا بنفسه من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه، فما استعان أحد على تقوى الله وحفظ حدوده واجتناب محارمه بِمثل الصوم، وإن الانتصار فى معركة الشهوات.

قضية مصيرية بالنسبة للمؤمن، لأنه إن انهزم فيها وفشل في مقاومتها وسلم العنان والخطام لها، أدى به ذلك دون شك إلى الانهزام فى كل معاركه الأخرى، فالشهوات حواجز تحجز عنه موارد التوفيق، وصوارف تصرفه عن النجاح فى أمر آخرته الذى هو رأس الأمر له، وما انتصر أسلافنا على أعدائهم إلا بعد ما انتصروا فى معركة الشهوات هذه، وما انهزموا وانكسرت شوكتهم إلا لما استسلموا لشهواتهم وانهزموا أمامها، وما خسارتنا للأندلس السليب إلا خير دليل على ذلك، فقال ابن رجب لما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه في ترك شهواته قدم رضا مولاه على هواه فصارت لذته في ترك شهواته لله لإيمانه باطلاع الله وثوابه أعظم من لذته فى تناولها فى الخلوة إيثارا لرضا ربه على هوى نفسه، وقال بعض السلف طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، وسئل ذو النون المصرى متى أحب ربي؟ قال إذا كان ما يكرهه أمرّ عندك من الصبر، ولقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان من العدم، ولم يكن شيئا مذكورا، فخلقه لغاية عظيمة.

وهي تحقيق العبودية لله سبحانه، ومن حكمة الله عز وجل أن سلط على الإنسان في هذه الحياة أعداء، وأمر بمحاربتها وجهادها، سلطت عليه امتحانا وابتلاء وأعطى الله تعالى العبد مددا وعدة وأعوانا وسلاحا لهذا الجهاد، وبلى كلا الفريقين بالآخر، وإن من أعظم ما يحتاج إلى مجاهدة النفس والشيطان، ثم الأعداء الخارجون من الكفار والمنافقين، وما لم يتمكن الإنسان من جهاد النفس ومن جهاد الشيطان، فإنه لا يمكنه مجاهدة عدوه الخارجى، أرأيتم لو أن رجلا ذهب ليجاهد الكفار ودخل أرض المعركة لقتالهم لكنه يريد بذلك رياء أو سمعة، فهل قتاله لأعداء الله هل هو جهاد في سبيل الله؟ وهل يؤجر عليه؟ كلا، بل هو وبال عليه وسيكون حسرة وندامة عليه يوم القيامة، فتبين بهذا أن جهاد أعداء الله فى الخارج فرع عن جهاد النفس والشيطان، وهذا يبين أهمية هذا الجهاد وعظم شأنه ومنزلته، فالنفس تدعو إلى الطغيان وإلى الهوى وإلى إيثار الحياة الدنيا، ولهذا أمر الله تعالى بنهيه عن الهوى، فقال سبحانه فى سورة النازعات.

” وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى” فالنفس بطبعها تميل وتنجرف إلى الهوى، فهي تحتاج إلى جهاد ومجاهدة، وإلا أوقعت الإنسان في الهلاك، فيقول الله تعالى فى سورة يوسف ” إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى” وإن النفس تأمر بالشح، وعدم الإنفاق في سبيل الله، ولكن تسمح النفس ببذل الملايين في سبيل البذخ والإسراف، ولا تسمح بالقليل للفقير والمحتاج، فالنفس تكره مشقة الطاعة وإن كانت تعقب لذة دائمة، وتحب لذة الراحة وإن كان تعقب حسرة وندامة، فهى تكره قيام الليل، وصيام النهار، تكره التبكير بالذهاب للمسجد، فكم من إنسان يجلس بالساعات في المجالس وفى المقاهى وفى الأسواق وعلى الإنترنت، لكنه يبخل بالدقائق بالدقائق القليلة يجلسها بالمسجد، وإذا علم العبد أن طبيعة نفسه كذلك فينبغى له أن يعبأ نفسه لمجاهدتها حتى تستقيم على طاعة الله، وحتى تتروض هذه النفس، وحتى تصير نفسا مطمئنة، فإن النفس تارة تكون أمارة بالسوء، وتارة تكون لوامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: