استشارة قانونيةمقالات

ومضات قانونية

بقلم المستشار شوكت مدبولى

( تكلمنا في حديث سابق عن مشروعية القرار الأدارى واسباب بطلان القرار الأدارى)
واليوم نتكلم عن إستثناء هام جدا من وهو – الظروف الاستثنائية فيالقواعد القانونية

لا شك فى أن الحديث عن مبدأ المشروعية وتطلب التزام كل سلطات الدولة به ، بما فى ذلك الإدارة ، بالدرجة الأولى ، إنما يتطلب الحفاظ على كيان الدولة ، لأنه لا مجال للحديث عن مبدأ المشروعية ، بل لا مجال للحديث عن القانون

– بداية ونهاية – دون وجود دولة تصدر القانون وتعمل على تطبيقه والتزام الجميع به . ومن ثم إذا حدث خطر يهدد كيان الدولة ذاتها ، يغدو طبيعياً اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذا الخطر بما فى ذلك التخفيف من قيود القانون لدرء هذا الخطر .

وبمعنى آخر ، فإن ما يصلح للحكم بمقتضاه فى الظروف العادية ، لا يكون مناسباً بالضرورة أو قابلاً للتطبيق إذا تغيرت هذه الظروف بظهور ظروف جديدة لا يصلح لمواجهتها تطبيق القواعد القانونية التى وضعت لمواجهة الظروف العادية.

و الظروف الاستثنائية او مايطلق عليه سلطات الحرب وذلك اعتماداً على أنها قد طبقت بمناسبة الظروف التى تصاحب الحروب ، عادة ، ولكن نظراً لعمومية النظرية وأنه يمكن تطبيقها فى حالات أخرى قد تواجه الدولة غير ظروف الحرب، فقد اتجه الفقه والقضاء إلى تسميتها ” نظرية الظروف الاستثنائية ” .

ويتضح مما سبق أن فكرة الظروف الإستثنائية يمكن أن ترجع إلى سببين هما:-

السبب الأول – بقاء الدولة واستمرارها :
لا مجال للحديث عن مبدأ المشروعية واحترام القانون والالتزام بأحكامه إلا بوجود الدولة واستمرار هذا الوجود ، فإذا حدث ما يهدد وجود الدولة ذاتها يكون الهدف الذى ينبغى تحقيقه

هو الحفاظ على بقاء الدولة واستمرارها ، ومن ثم يغدو ضروريا التخفيف من قيود المشروعية العادية لمواجهة الظروف غير العادية التى تهدد بقاء الدولة ذاتها ، لأن سلامة الشعب هى القانون الأعلى الذى يجب أن يسمو على أى قانون.

السبب الثانى – تغير الظروف :
من المعروف أن القواعد القانونية قد وضعت لحكم الظروف العادية ، فإن طرأت ظروف غير عادية كالحروب والأزمات والكوارث الطارئة يكون ضرورياً اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذه الظروف

 وهذه الإجراءات لا تتسع لها قواعد القانون العادى – وبالتالى يكون ضرورياً إعطاء الإدارة السلطات اللازمة لمواجهة هذه الظروف الطارئة . فالقواعد التى وضعت لحكم الظروف العادية لا تصلح لمواجهة الظروف غير العادية.

لذلك استقر الفقه والقضاء ، سواء فى فرنسا أو فى مصر ، على الأخذ بنظرية الضرورة أو الظروف الاستثنائية ، بحيث تتسع بمقتضاها دائرة مبدأ المشروعية .

والأصل العام لنظرية الظروف الاستثنائية هو ” الضرورة ” . وهو أصل إسلامى ، تطبيقاً للقاعدة الأصولية ” الضرورات تبيح المحظورات ” ، و”الضرورة تقدر بقدرها ” .

ومثال ذلك فى مصر : حالة التعبئة العامة لمواجهة ظرف معين او فرض حالة الطوارئ العامه في عموم البلاد أو في أجزاء منها.

والقاعدة العامة أن الإدارة تلتزم بالقواعد القانونية التى يضعها المشرع لمواجهة الظروف الاستثنائية ، إن وجدت ، وفى حالة عدم وجود مثل هذه القواعد، تتسع سلطات الإدارة لمواجهة الظروف الاستثنائية على أن تلتزم بهدف الصالح العام وتتخذ الإجراءات الضرورية اللازمة فقط لمواجهة الحالة، على أن يتم كل ذلك تحت رقابة القضاء .

شروط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية
رعرر..يفهم من أحكام القضاء الإدارى أن مجلس الدولة المصرى يتطلب توافر أربعة شروط أو أركان لقيام حالة الضرورة ، هى :

١) أن يكون هناك خطر جسيم مفاجئ يهدد النظام والأمن .

٢) أن يكون عمل الضرورة الصادر من الإدارة هو الوسيلة الوحيدة لدفع الخطر .

٣) أن يكون عمل الإدارة لازماً حتماً فلا يزيد على ما تقضى به الضرورة .

٤) أن يقوم بهذا العمل الموظف المختص فيما يقوم به من أعمال وظيفته.

ويمكن القول أن الفقه والقضاء يريان ضرورة توافر الشروط التالية لتطبيق نظرية الضرورة أو الظروف الاستثنائية .

الشرط الأول – وجود خطر جسيم يهدد النظام العام :

يشترط لتطبيق نظرية الظروف الاستثنائية قيام حالة واقعية غير مألوفة أو غير عادية ، تمثل خطراً جسيماً يهدد النظام العام .
مثال ذلك قيام حرب ، أو اضطرابات وحرب أهلية داخلية ، أو زلازل أو براكين وغيرها من الكوارث الطبيعية .

ويتوافر هذا الشرط سواء حدثت هذه الوقائع فعلاً ، أو كان من المحتمل حدوثها .
كما أنه لا يشترط أن تشمل هذه الأحداث كل إقليم الدولة ، بل يمكن أن تقوم فى جزء من الإقليم وتهدد كل الإقليم فتسرى الطوارئ على كل الإقليم ، أما إذا كانت آثارها مقصورة على الجزء الذى وقعت فيه فتطبق حالة الطوارئ أو الظروف الاستثنائية على هذا الجزء فقط .

وفى جميع الحالات يعد وجود الخطر وجسامته من عدمه مسألة واقع ، تخضع لتقدير القضاء ، فالقضاء هو الذى يقدر وجود الخطر ، وهو الذى يقدر كذلك جسامة هذا الخطر

الشرط الثاني :تعذر دفع الخطر بالقواعد القانونية العادية

قد يحدث خطر جسيم يهدد النظام العام ولكن يمكن مواجهته بالقواعد القانونية العادية فلا تطبق نظرية الظروف الاستثنائية ، لأنه يشترط لتطبيق هذه النظرية تعذر مواجهة الخطر أو دفعه بالقواعد القانونية العادية ، ففى هذه الحالة فقط يجوز للإدارة استخدام قواعد استثنائية لمواجهة الظروف الاستثنائية.

وهذه المسألة مسألة موضوع ، فهى تخضع أيضاً لرقابة القضاء.

الشرط الثالث – تحقيق المصلحة العامة
تبقى تصرفات الإدارة محكومة دائماً بهدف تحقيق المصلحة العامة ، سواء فى الظروف العادية أو فى الظروف الاستثنائية ؛

فالمصلحة العامة هى الهدف لكل تصرفات الإدارة وأعمالها فى جميع الظروف ودائماً ؛ لأنها هى المبرر لكل سلطات الإدارة ، فإذا استهدفت هدفا آخر غير المصلحة العامة ، لا يكون ثمة مبرر أو سبب للسلطات المقررة لها .

ويراقب القضاء توافر هذا الشرط ، فيحكم بعدم مسئولية تصرف الإدارة إذا قدر أنها لم تستهدف به تحقيق المصلحة العامة .
وباختصار ، يشترط لتطبيق نظرية الظروف الاستثنائية وجود خطر جسيم حال أو محتمل ، لا يمكن مواجهته بالقواعد القانونية العادية للمحافظة على المصلحة العامة .

وهناك ضوابط حددها القانون لبسط الرقابة القضائية فى حالة الظروف الاستثنائية… فلا يؤدى توافر شروط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية إلى خروج تصرفات الإدارة وأعمالها من الرقابة القضائية ، بل تظل رقابة القضاء الإدارى على الإدارة قائمة

ومستمرة سواء فى ظل الظروف العادية أو فى ظل الظروف الاستثنائية . فالظروف الاستثنائية ليست خروجا على مبدأ المشروعية ولا تعد استثناءً على المبدأ ، بل هى توسيع لنطاق المشروعية بما يسمح بإعطاء سلطة

أوسع للإدارة لمواجهة الظروف غير العادية بنصوص قانونية وضعت لحكم هذه الظروف . فالعادى لا يحكم غير العادى ، ولكن غير العادى يجب أن يحكم بنصوص غير عادية ، مع التقيد دائماً بهدف تحقيق المصلحة العامة .

فمبدأ المشروعية قائم ويجب أن يظل قائماً ومعمولاً به فى جميع الظروف، سواء فى ظل الظروف العادية أو فى ظل الظروف الاستثنائية ولكن يكون الفرق بين حالتى الظروف العادية والظروف غير العادية ، هو أن مضمون المشروعية ،

أو قواعد المشروعية فى ظل الظروف العادية تختلف عنها فى ظل الظروف الاستثنائية . فالمشروعية قائمة دائماً ، ويجب أن تظل قائمة ، على أن تكون ضوابطها أو أحكامها وفقاً لقواعد مختلفة فى الظروف الاستثنائية عنها فى الظروف العادية .

والقاعدة العامة التى يمكن القول بها فى هذا الشأن هى أن أثر الظروف الاستثنائية يتمثل فى التزام الإدارة بركن الغاية والسبب فى كل التصرفات الصادرة لمواجهة الظروف الاستثنائية ، بحيث يجب عليها دائما أن تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة من ناحية ، وأن يكون تصرفها على سبب واقعى أو قانونى يبرر هذا التصرف ، فيراقب القضاء الوجود المادى للسبب كما يراقب التكييف القانونى له ، من ناحية أخرى .

وبالنسبة لركن الاختصاص ، يجوز للإدارة – تحت رقابة القضاء – الخروج على هذا الركن لمواجهة الظروف الاستثنائية ، مثال ذلك حالة الموظف الفعلى ، حيث يقرر القضاء سلامة تصرفات الموظف الفعلى لضرورة سير المرفق العام بانتظام واطِّراد فى الظروف الاستثنائية .

كما يجوز للإدارة – تحت رقابة القضاء – الخروج على بعض قواعد الشكل أو الإجراءات لمواجهة الظروف الاستثنائية .

كما أجاز القضاء للإدارة ، تحت رقابته :
١) الامتناع عن تنفيذ بعض الأحكام القضائية .
٢) وقف بعض الضمانات التأديبية .
٣) الاستيلاء المؤقت على بعض العقارات .
٤) وقف إصدار بعض الصحف .

إلا أن ذلك كله إنما يتم تحت رقابة القضاء وتقديره ، وبشرط قيام حالة الخطر الجسيم التى تتطلب الخروج على قواعد المشروعية العادية ، وأن يكون تدخل الإدارة على النحو الذى تدخلت به ضرورياً ولازماً لمواجهة هذا الخطر ، وأن يقتصر تدخل الإدارة لمواجهة هذا الظرف الطارئ فقط فلا يتعداه إلى غيره وإلا عُدَّ تصرفها خروجاً على المشروعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: