ثقافة وأدب المنصة نيوزدنيا ودين

يوم بدر دروس وعبر

" الجزء الخامس "

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الخامس مع يوم بدر دروس وعبر، وكان قوام جيش قريش نحو ألف وثلاثمئة مقاتل فى بداية سيره، وكان معه مئة فرس وستمئة درع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط، وكان قائده العام أبا جهل وهو عمرو بن هشام المخزومي القرشي، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش،

فكانوا ينحرون يوما تسعا ويوما عشرا من الإبل وقيل أن عدد جيش قريش كان ألفا، وكان معهم مئتا فرس يقودونها إلى جانب جمالهم، ومعهم القيان يضربون بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين، وعندما تأكد أبو سفيان من سلامة القافلة أرسل إلى زعماء قريش وهو بالجحفة برسالة أخبرهم فيها بنجاتة والقافلة،

وطلب منهم العودة إلى مكة، إلا أن أبا جهل قام فقال والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا، ولكن بنى زهرة عصوه وانشقوا عن الجيش وعادوا إلى مكة، وكانت بنو عدى قبلهم قد تخلفت عن الخروج.

أما غالبية قوات قريش وأحلافهم فقد تقدمت حتى وصلت بدرا، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر نجاة القافلة وإصرار زعماء مكة على قتال المسلمين أستشار أصحابَة في الأمر، وحينئذ تزعزعت قلوب فريق من الناس،

وخافوا اللقاء الدامى، وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو، ومنهم أبو بكر وعمر بن الخطاب والمقداد بن الأسود، إلا أن هؤلاء القادة الثلاثة الذين تكلموا كانوا من المهاجرين، وهم أقلية فى الجيش، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرف رأى قادة الأنصار،

لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، ولأن بيعة العقبة الثانية لم تكن في ظاهرها ملزمة لهم بحماية رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج المدينة، فقال “أشيروا عليَّ أيها الناس” وقد أدرك الصحابى الأنصارى سعد بن معاذ وهو حامل لواء الأنصار، مقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، فنهض قائلا “والله لكأنك تريدنا يا رسول الله” فقال صلى الله عليه وسلم “أجل” فقال لقد آمنا بك وصدقناك.

وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضتة لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله

وقام سعد بن عبادة، فقال ” إيانا تريد يا رسول الله، والذى نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم، فاغزوا باسم الله فى سبيل الله،

قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا” فارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم أنحط إلى بلد يقال لها الدبة وترك الحنان بيمين وهو كثيب كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر.

فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقفا على شيخ من العرب يقال له سفيان الضمرى الكنانى، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا أخبرتنا أخبرناك” قال “أذاك بذاك؟ قال “نعم” قال الشيخ فإنه بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا،

فإن كان صدق الذى أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى فيه قريش، فلما فرغ من خبره قال “ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “نحن من ماء” ثم أنصرف عنه والشيخ يقول “ما من ماء،

أمن ماء العراق؟ ونظم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنده بعد أن رأى طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماعهم على القتال، وعقد اللواء الأبيض وسلمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ.

وعلي بن أبى طالب، وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة، وأرسل علي بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر، ليأتوا له بالأخبار عن جيش قريش، فوجدوا غلامين لقريش يستقيان للجيش، فأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى،

فسألوهما، فقالا نحن سقاة قريش بعثونا لنسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبى سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش،

وقال لهما أخبراني عن جيش قريش، فقالا هم وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما كم القوم؟ قالا كثير، قال ما عدتهم؟ قالا لا ندرى، قال كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما تسعا ويوما عشرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ما بين التسعمائة والألف، ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش؟

فذكرا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبا البخترى بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدى بن نوفل، والنضر بن الحارث بن كلدة، وزمعة بن الأسود، ونبيه بن الحجاج، ومنبه بن الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود،

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه قائلا هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها، وبعد أن جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلومات عن جيش قريش سار مسرعا ومعه أصحابه إلى بدر ليسبقوا قريشا إلى مائها، وليحولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه،

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عند أدنى ماء من مياه بدر، فقال الحباب بن المنذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال بل هو الرأى والحرب والمكيدة، قال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس.

حتى تأتى أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من الآبار، ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه،

ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار، وبعد نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على أدنى ماء بدر من قريش، اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء عريش له يكون مقرا لقيادته ويأمن فيه من العدو، وكان مما قاله سعد فى اقتراحه يا نبي الله،

ألا نبنى لك عريشا تكون فيه ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبى الله، ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك، ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم بنى المسلمون العريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: