ثقافة وأدب المنصة نيوزدنيا ودين

يوم بدر دروس وعبر

الجزء الثانى "

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع يوم بدر دروس وعبر، ومع يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، يوم أعز الله فيه جنده، ونصر فيه عبده، وأذل فيه من عاداه، ورفع المنار لمن والاه، ويوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، يوم خاضه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات واليقين والإيمان،

فخاضه مع الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وبوّأهم دار السلام، ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ما على وجه الأرض يومها أحب إلى الله منهم، ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا كتبت لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم، ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا نادى عليهم منادي الله يا أهل بدر “أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم

ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا أقدامهم حافية وثيابهم مرقعة بالية، وأحشاؤهم ظامئة خاوية، ولكن قلوبهم نقية زاكية، وهممهم شريفة سامية عالية، إنهم الصحابة الكرام عليهم من الله الرضوان والسلام، فقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم جحافل الإيمان، أسد الشرى، رجال الوغى، أتم الله عليهم المحبة والرضا، فقد وقفنا أمام يوم بدر لكى نستلهم العظات والعبر.

وقفنا أمام ملحمة الإسلام، واليوم الأول من أيامه العظام، رأينا العبر، رأينا العظات، أعظمها وأجلها أن الإسلام كلمة الله الباقية، ورسالته الخالدة، باقية ما بقى الزمان وتعاقب المكان، يرفع شعارها ويقدس منارها بعز عزيز وذل ذليل، هذا الإسلام الذى كتب الله العزة لمن والاه، وكتب الذلة والصغار على من عاداه، كلمة باقية ورسالة خالدة زاكية،

فما أكثر الدروس وما أعظمها فى هذه الغزوة النبوية الكبرى غزوة بدر الكبرى، فهذه الغزوة وقعت فى شهر رمضان, وهذا الشهر الكريم شهر العمل وشهر الصبر والجهاد في سبيل الله,

تتضاعف فيه همة المؤمن ويقرب من ربه الكريم الرحيم وتفتح فيه أبواب الجنان فهو أثمن وأنفس فرصة للمؤمن لكى يضاعف فيها نشاطه وعمله في سبيل الله عز وجل وأكثر المعارك الإسلامية الكبرى فى تاريخ المسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم، وأن هذه الغزوة تبين بجلاء ما يعرفه كل مؤمن أن النصر كله بيد الله يؤتيه من يشاء, فالصحابة رضوان الله عليهم لما خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

لم يكونوا يريدون الحرب وما ظنوا أن سيكون قتال ولذلك لم يتهيؤوا للحرب والقتال ولم يعدوا ما يكفي من العدة ومع ذلك أظفرهم الله ونصرهم على عدوهم لما صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأمتثلوا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم,

فببركة إيمانهم وبصدقهم مع الله وطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم نصرهم الله وأظفرهم وأظهرهم على عدوهم، وحينما تكون المعركة بين الإيمان والكفر فإن النتائج لا تقاس بالمقاييس البشرية التى تبنى عادة علي الأسباب المادية وحدها, فإن الله عز وجل يؤيد جند الإيمان,

يؤيد المؤمنين على الكافرين وإن كان الميزان المادى بينهم وبين عدوهم ليس متكافئا فإن الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده المؤمنين يعوض ما عساه نقص من استعداداتهم بما شاء من جنوده وما يعلم جنود ربك إلا هو،

فالصحابة رضوان الله عليهم في بدر كان عدوهم أكثر منهم عددا وأقوى عدة, وكان جيش المشركين ثلاثة أضعاف جيش المؤمنين ولكنهم لما لجأوا إلى ربهم وأستغاثوا به نصرهم الله عز وجل على عدوهم رغم هذا الفارق المادى الكبير.

فى العدد والعدة، لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوانى عن مشاورة أصحابه في جلائل الأمور وخاصة فى المواقف الخطيرة كغزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق فكان النبى صلى الله عليه وسلم يأخذ بمبدأ المشاورة أمتثالا لأمر ربه عز وجل ولذلك كانت بركات هذا المبدأ تنزل عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه نجاحا وفلاحا وفوزا في الأمور ونصرا وظفرا في المعارك،

وأن الأمر كله لله فالمُلك ملكه والخلق عبيده فالخلق مفتقرون كلهم إلى الخالق وهذه هى حقيقة العبودية وهى حقيقة عرفها المؤمن وامتثل لها وعاندها الكافر وتمرد عليها وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الموقف العظيم يعلمنا هذا الدرس الجليل مهما كانت الأحوال

فان إظهار الأفتقار إلى الرب عز وجل والتضرع بين يديه والتذلل له سبحانه وإظهار الضعف بين يديه والحاجة إليه والأستغاثة به عز وجل, فهذه كلها أمور مطلوبة من المؤمن مهما كانت الأحوال فالنبى الكريم صلى الله عليه وسلم مع يقينه بالنصر.

حتى إنه حدد المواضع التي سيقتل فيها زعماء المشركين ومع ذلك يقف بين يدى ربه يدعو ويلح في الدعاء والتضرع والأستغاثة وببركة هذه الأستغاثة من النبى صلى الله عليه وسلم وببركة أستغاثة الصحابة الكرام أستجاب لهم الله تعالى فنصرهم وأيدهم على الرغم من ذلتهم والمقصود بالذلة هو ضعف القوة وقلة العدد, فيقول تعالى

كما جاء فى سورة الأنفال” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين” فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هى التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين،

يا بن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه وكن كما شئت فكما تدين تدان، فإن في سيرة النبى الكريم صلى الله عليه وسلم العطرة وآثاره الجميلة الجليلة النضرة أسوة للمؤمنين، وقدوة للأخيار والصالحين، سيرة خير الورى حبيب الله جل وعلا، سيرة مُلئت علما وحكمة وإيمانا، سيرة ملئت ثباتا وصبرا ويقينا.

سيرة ملئت حلما ورحمة وبرا وفضلا وإحسانا، سيرة خير الورى حبيب الله جل وعلا، ثلاثة وعشرون عاما حمل فيها رسالة الله تعالى، وبلغ فيها شريعة الله، ما ترك باب خير إلا دلنا عليه، ولا سبيل رشد إلا هدانا إليه، فصلى الله عليه وسلم تسليما، وزاده تشريفا وتكريما وتعظيما،

وإن من عظات يوم بدر أن الصبر مفتاح الفرج، فما ضاقت الأمور على من صبر، فالصبر مفتاح الخير، وتعلمنا من غزوة بدر أن مع العسر يسرا، وأن عاقبة الصبر خير،

فقال تعالى ” وأصبر وما صبرك إلا بالله” فصبر حبيب الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر الله عينه، ونصر الله حزبه، فقال تعالى ” بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا” فإن وجدت عبدا من عباد الله قد صُبّت عليه المحن والبلايا من الله، ونصب وجهه صابرا لله،

فبشره بحسن العاقبة والمآل من الله، فقد تعلمنا أن الصبر عواقبه الخير، ولقد صدق رسول الهدى صلى الله عليه وسلم إذ يقول “ما أعطي عبد عطاء أفضل من الصبر” فإن بالصبر يتوسع ضيق الدنيا.

وبالصبر تتبدد همومها وغمومها وأحزانها، يطيب العيش وترتاح النفوس وتطمئن القلوب، وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إذ قال “وجدنا ألذ عيشنا بالصبر” وتعلمنا من غزوة بدر أن التقوى سبيل النصر للمؤمنين، وطريق الفلاح للمفلحين، فقال تعالى ” بلى إن تصبروا وتتقوا” وأن بالصبر والتقوى تنزلت ملائكة الرحمن نصرة لجند الإيمان،

فمن صبر وأتقى جعل له ربه من كل همّ فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، فعلينا بالصبر فى زمان عظمت كربه، في زمان أشتدت بلاياه ومحنة، حيثما وليت بناظريك رأيت الأشجان والأحزان، نساء وأرامل وأطفال وثكالى،

لا يعلم مقدار ما يعانون ولا يعلم مقدار ما يكابدون إلا الله المطلع على الخفيات، عالم السر والنجوى، فاطر الأرض والسموات، فيا أهل الإسلام لئن ضاقت الأرض عليكم فلما تضيق بالصبر والتقوى؟ إن وراء الليل فجرا، إن تحت الرماد نارا، صبر جميل، لعل الله أن يأتى بالفرج الجليل، فمن غزوة بدر الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: