ثقافة وأدب المنصة نيوزدنيا ودينمقالات

العشر الأواخر من رمضان ” الجزء السادس

اإعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء السادس مع العشر الأواخر من رمضان، وقد توقفنا مع ليلة القدر، وقد كان هدى النبى صلى الله علية وسلم المستمر الأعتكاف في العشر الأواخر حتى توفاه الله كما في الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها وانما كان يعتكف في هذه العشر التى تطلب فيها ليلة القدر قطعا لأنشغاله

وتفريغا للياليه وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه, وكان يحتجز حصيرا يتخلى فيه عن الناس فلا يخالطهم ولا ينشغل بهم، وقد روى البخارى أنه صلى الله علية وسلم اعتكف في العام الذى قبض فيه عشرين يوما، ومن أسرار الأعتكاف هو صفاء

القلب والروح إذ أن مدار الأعمال على القلب كما في الحديث “ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” فلما كان الصيام وقاية للقلب من مغبة الصوارف

الشهوانية من فضول الطعام و الشراب والنكاح، فكذلك الأعتكاف ينطوى على سر عظيم وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة وفضول الكلام وفضول النوم وغير ذلك من الصوارف.

التي تفرق أمر القلب وتفسد اجتماعه على طاعة الله عز وجل، وإن من أهم الأعمال في هذا الشهر وفي العشر الأواخر منه على وجه الخصوص هو تلاوة القرآن الكريم بتدبر وخشوع, واعتبار معانيه وأمره ونهيه فقال تعالى” شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان” فهذا شهر القرآن, وقد كان النبى صلى الله علية وسلم يدارسه

جبريل عليه السلام في كل يوم من أيام رمضان حتى يتم ما أنزل عليه من القرآن وفي السنة التي توفى فيها قرأ القرآن على جبريل مرتين، وقد أرشد النبى صلى الله عليه وسلم إلى فضل القرآن وتلاوته

فقال” اقروا القرآن فإن لكم بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها أما إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف” رواه الترمذى، واخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن القرآن يحاج عن صاحبه يوم العرض الأكبر فقال صلى الله علية وسلم “يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به فى الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما” رواه مسلم.

ولقد كان السلف الصالح أشد الناس حرصا على تلاوة القرآن وخاصة في شهر رمضان، فقد كان الأسود بن يزيد يختم المصحف في ست ليالى فإذا دخل رمضان ختمه فى ثلاث ليال فإذا دخلت العشر ختمه فى كل ليلة, وكان الشافعى رحمة الله عليه يختمه في العشر فى كل ليلة بين المغرب والعشاء وكذا روى عن أبى حنيفة رحمه الله، وقد أفاد الحافظ بن رجب رحمه الله أن

النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث إنما هوا على الوجه المعتاد أما فى الأماكن الفاضلة كمكة لمن دخلها أو فى الأوقات الفاضلة كشهر رمضان والعشر منه فلا يكره وعليه عمل السلف، وهكذا تمر الأيام فمنذ أيام قريبة مضت كنا نسأل الله تعالى أن يبلغنا رمضان، وأن يمد في أعمارنا وينسأ في آجالنا حتى ندركه، وعاهدنا الله عهودا كثيرة إن هو أبقانا إلى رمضان، عهودا على الطاعة وبذل الجهد واستفراغ

الوسع في العبادة وعمل الصالحات، واستجاب الله دعاءنا بمنه، وبلغنا رمضان بفضله وكرمه، وجاء رمضان وكما هي عادة الأيام المباركات تمر مسرعا.

حتى انقضى منه ثلثاه وزيادة، ولم يبق إلا الثلث أو أقل، وما هو إلا القليل حتى نعزى أنفسنا بانتهاء رمضان، فينبغى على كل منا قبل انقضاء رمضان أن يقف وقفة

يحاسب فيها نفسه، ماذا قدم فيما مضى؟ وماذا يرجو مما بقي؟ حتى لا يخرج من رمضان كما دخل فيه، فما يدرينا هل ندرك رمضان آخر، أم تسبق إلينا الآجال وتنقطع منا الأعمال، فلابد من هذه الوقفة

للمحاسبة لتعرف أين أنت، وماذا استفدت من صيامك وقيامك، وهل تحقق مقصود الله فيك من فرض الصيام؟ وهل حققت أهدافك، وتيسرت لك أمنياتك ورغباتك، فغفرت ذنوبك، وتقبلت طاعاتك، واعتقت رقبتك من النار؟؟ ولقد ذكر النبى صلى الله عليه وسلم صائمين ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش، وذكر عليه الصلاة

والسلام قائمين ليس لهم من قيامهم إلا طول السهر، ذاك أنهم لم يعرفوا من الصيام إلا الإمساك عن الطعام والشراب، ولم يدركوا مقاصد شهر رمضان، فإذا رأيت بعد هذه الوقفة أنك قد أحسنت فيما مضى فاحمد لله تعالى على فضله.

واشكر الله على نعمة التوفيق بالاستقامة والاستزادة، وإن كانت الأخرى فرأيت تقصيرا أو تفريطا، فاعلم أنه ما زال فيما بقى من رمضان مستعتب، وأن الفضل المخزون في هذه العشر يحيل

القنوط ويمنع اليأس ويبعث على الأمل والعمل، عسى أن يكون آخر الشهر خيرا لك من أوله، وقال بعض العلماء العبد الموفق من أدرك أن حسن النهاية يطمس تقصير البداية، وما يدريك لعل بركة عملك في رمضان مخبأة في آخره، فإنم الأعمال بالخواتيم، ولنعلم أن في العشر الأواخر ليلة القدر، ومن رحمة الله تعالى أن خبأها فى هذه العشر، وجعلها أرجى وجودا في ليالي الوتر منها حتى نكثر من التعبد، وهي ليلة العمر، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخارى ومسلم، وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال، قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم “شهر رمضان فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم” رواه أحمد والنسائى.

ثم أخبر أنها في العشر الأواخر فقال “تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان” متفق عليه، وعند البخارى ” في الوتر من العشر الأواخر” ولك أن تتخيل أن عبدا قام لله تعالى ليلة واحدة كانت له كعبادة ألف شهر، أو ما يعادل ثلاثة وثمانين سنة، أى فضل هذا وأى نعمة تلك؟ فمن حرم خيرها فهو المحروم، ومن أعرض عنها فهو المغبون، وقد خاب وخسر من أدرك هذا الفضل ولم يغفر له، واعلم أن ما يدعو به المؤمن ربه فى هذه الليالى هو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، حين سألته فقالت “أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال صلى الله عليه وسلم قولى ” اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى” ويقول الله تبارك وتعالى فى سورة القصص” وربك يخلق ما

يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة” وقد اختار سبحانه وتعالى العشر الأواخر من شهر من رمضان، من بين سائر أيام الشهر، وخصّها بمزيد من الفضل وعظيم الأجر.

فكان صلى الله عليه وسلم يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، فتقول السيدة عائشة رضي الله عنها” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد فى العشر الأواخر ما لا يجتهد فى غيره” رواه مسلم، وكان يحيى فيها الليل كله بأنواع العبادة من صلاة وذكر وقراءة قرآن،

فتقول السيدة عائشة رضي الله عنها “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدّ وشد المئزر” رواه مسلم، فكان يوقظ أهله فى هذه الليالي للصلاة والذكر، حرصا على اغتنامها بما هى جديرة به من

العبادة، وقال ابن رجب ” ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقى من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه” وشد المئزر هو كناية عن ترك

الجماع واعتزال النساء، والجد والاجتهاد في العبادة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على الأعتكاف فيها حتى قبض، ففى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها “أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: