ثقافة وأدب المنصة نيوزدنيا ودينمعلومات المنصة نيوز

العشر الأواخر من رمضان الجزء العاشر

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء العاشر مع العشر الأواخر من رمضان، فقد كان من هدية علية الصلاة السلام فى هذه العشر أنه يوقظ أهله للصلاة كما فى البخارى عن عائشة ، وهذا حرص منه عليه الصلاة والسلام

 على أن يدرك أهله من فضائل ليالي هذا الشهر الكريم ولا يقتصر على العمل لنفسه ويترك أهله في نومهم ، كما يفعل بعض الناس وهذا لاشك أنه خطأ وتقصير ظاهر، ومن الأعمال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر شد المئزر، والمعنى أنه يعتزل النساء في هذه العشر وينشغل بالعبادة والطاعة وذلك لتصفو نفسه عن الأكدار والمشتهيات

 فتكون أقرب لسمو القلب إلى معارج القبول وأزكى للنفس لمعانقة الأجواء الملائكية وهذا ما ينبغي فعله للسالك بلا أرتياب، ومما ينبغى الحرص الشديد عليه في هذه العشر هو الإعتكاف فى المساجد التى تصلي فيها فقد كان هدى النبى صلى الله علية وسلم المستمر الإعتكاف في العشر الأواخر حتى توفاه الله وأنما كان يعتكف فى هذه العشر التى تطلب فيها ليلة القدر قطعا لإنشغاله.

وتفريغا للياليه وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه, وكان يحتجز حصيرا يتخلى فيه عن الناس فلا يخالطهم ولا ينشغل بهم، وقد روى البخارى أنه عليه الصلاة والسلام إعتكف فى العام الذي قبض فيه عشرين يوما، وإن من فضائل هذه الأمة أن الله أعطاها في كل سنة،

فى كل رمضان، فى هذه العشر يوما فيه ليلة العبادة فيها تفوق العبادة فى ثلاث وثمانين سنة، فعندك فى كل ليلة قدر من كل سنة تمر بك في عمرك عبادة إنسان مُعمّر بهذه السنوات الطويلة كأنك عبدت الله فى ثلاث وثمانين سنة، كل سنة من السنوات، فتأمل فضل الله على هذه الأمة،

وهوسبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم، وفي هذه السنة تنقل مقادير الخلائق من الأرزاق، والآجال من اللوح المحفوظ، إلى صحف الملائكة، تفصل المقادير من اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه الأقدار قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وفى ليلة القدر من كل عام تفصل أقدار كل سنة من اللوح المحفوظ إلى صحف الملائكة لتقوم بإنفاذها، فترى شخصا يمشى فى الأرض.

وهو مكتوب في هذه السنة من الأموات، وما يقدر الله كل سنة من خير، ورزق، وصحة، ومرض، وحياة، وموت، وولد، ونحو ذلك من الأقدار كله في هذه الليلة ينقل إلى صحف الملائكة فهنيئا لمن أصاب ليلة القدر فسأل الله خيره، وسأل الله فضله، فقال الإمام النووى رحمه الله ليلة القدر مختصة بهذه الأمة زادها الله شرفا فلم تكن لمن قبلها، ما أدركها داع إلا وظفر، ولا سأل فيها سائل إلا أعطي، ولا أستجار فيها مستجير إلا أجير،

وكان السلف رحمهم الله يستحبون الإكثار من الدعاء تلك الليلة، وقال الشافعى رحمه الله:”أستحب أن يكون اجتهاده فى نهارها كاجتهاده فى ليلها” فإن هذه الليلة سمحة، طلقة، بلجة، منيرة، معتدلة، تطلع الشمس فى صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها، سالمة من الشيطان والعذاب، سلام هى حتى مطلع الفجر، تتنزل الملائكة فيها إلى الأرض أكثر مما تتنزل في بقية أيام السنة حتى تكون في هذه الليلة أكثر من عدد الحصى على هذه الأرض، يكثر فيها من قول “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى”

ومن قامها إيمانا بثوابها، وفضلها، وأحتسابا للأجر الوارد فيها غفر له ما تقدم من ذنبه، فيجمع العبد بين التصديق بالوعد، والطلب للأجر ليحصل له هذا، فالأعمال الصالحة لا تقبل إلا مع الإحتساب، وصدق النيات، وهذه الليلة من الليالى ينبغي أن تتحرى، وقد أخفاها الله تعالى لنجتهد في العبادة في كل ليالى العشر، لعل العبد أن يصيبها،

فمما ينافى الحكمة الإلهية في إخفاء ليلة القدر، بأنه جزم بعض الناس بأنها ليلة كذا، فيصيب بعض الناس من الإحباط ما يصيبهم، ويقعد بعضهم عن العبادة فيما بقي، والإجتهاد لأجل رأى أطلقها شخص فى رسالة، فإذا كان الشرع أخفاها فأنت تسير مع مراد الشرع في الإخفاء لأن العبد إذا وافق حكمة ربه، فتأمل ماذا يريد الله من وراء هذه الأوامر، والنواهي،

والنصوص، والتشريعات، فسار على وفق مراد الله، وحقق حكمة الله، فإنه من أولي الأبصار والألباب، وكذلك يكون من الأخيار الذين أراد الله بهم خيرا بالفقه في دينه، ومن أشهر ما يفعل في هذه الليلة هو القيام.

وقد إعتكف النبى الكريم صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر كلها لإصابة ليلة القدر لأن من إعتكف العشر الأواخر، وقام في كل ليلة منها وهو يدعو فإنه بالتأكيد سيصيبها، والنبى الكريم صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تتورم قدماه كما قال الله فى كتابه العزيز ” كانوا قليلا من الليل ما يهجعون” وكان السلف يسيرون.

على هذا المنوال، يقومون ليلهم، ويخفون دعائهم، فقال تعالى ” إذ نادى ربه نداء خفيا” وكان ظمأ الهواجر، يعنى العطش فى الصيام لأجل حر النهار، وألم الأرجل فى الليل من طول القيام هو أشهى ما عند العابدين، والذي يرغبهم في البقاء في الدنيا، وليس كثرة الأموال،

ولا السعي في الإستثمارات، ولا الضرب في السياحات، وإنما هو ظمأ الهواجر، وقيام الليل، ومن أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة كما قال الأوزاعي رحمه الله لأن يوم الدين فيه وقفة طويلة جدا لأنه في الطول خمسين ألف سنة، الناس واقفون على أقدامهم، لا قاعد، ولا مضطجع، ولا متكئ، وإنما هم قيام كما قال الله تعالى.

” يوم يقوم الناس لرب العالمين” ويشتد الحر على الناس لأمور ثلاثة هو الزحام، فليس للإنسان إلا موضع قدميه، ودنو الشمس قدر ميل من رؤوس العباد، وتقريب جهنم فقال تعالى ” وجيء يومئذ بجهنم ” تجرها الملائكة، فيأخذ الناس من العرق والكرب ما الله به عليم، ويذهبون يطوفون على الأنبياء ليطلبوا منهم التدخل عند الله لفصل القضاء،

فينالها الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود، وإن من طال قيامه اليوم هون الله عليه القيام غدا، ومن مشى إلى المساجد في الظلمات في العشاء والفجر فله النور التام، فقال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم “بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة” ويدخل فيه مشيهم

 اليوم لصلاة التراويح قياما بالليل لله تعالى، فكان صفوان بن سليم يصلي في الشتاء على السطح، وفي الصيف في بطن البيت يتيقظ بالحر والبرد حتى يصبح، وترم رجلاه، ويظهر فيه عروق خضر، فقالت بنت لجار منصور بن المعتمر، لأبيها يا أبت أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة؟

فقال يا بنيه ذاك منصور نفسه كان يقوم الليل، فلما مات أختفت الخشبة فى نظر البنت، وكان إبن أبي ذئب يصلي الليل ويجتهد فيقول له بعض أهله ارفق بنفسك، فيقول إن القيامة تقوم غدا كأن القيامة تقوم غدا، هكذا كانوا يجتهدون، فيقول تعالى ” يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه” وكانوا لا يقطعون هذه العادة لا في حضر، ولا في سفر، حتى يقطعهم

 الموت، وكذلك كان بعضهم يحرس أصحابه فى السفر إذا ناموا في الليل وهو قائم لله تعالى، وكان بعضهم يتهجد طويلا فإذا نعس هز رأسه يطرد النعاس، ويناجون الله تعالى، يصلون الليل، ويستغفرون بالأسحار، والإستغفار عبادة عظيمة، ويندب الإكثار منه في السحر،

وهو قبيل الفجر، ومنه أخذ وأشتق إسم السحور، ومن أى شيء يستغفرون وقد كانوا يعبدون؟ فيقول تعالى ” كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون” لأن المؤمن دائما يرى نفسه مقصرا، وقد لا يقبل منه، فهو يستغفر من التقصير، ويرجو القبول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: